الثلاثاء، 11 أكتوبر 2011

النظام القابوسي وتحديات المستقبل

موضوعي هنا ..حسب عنوانه .. سيكون عباره عن رؤيه تحليليه واقعيه للنظام السياسي في عمان مع مقاربات .. او مقارنات مع انظمه سياسية اخرى بالرغم من تفرد وخصوصية النظام العماني 
( القابوسي ) وإمكانية الصمود والثبات ..والعبور للمستقبل بأمان .

اولا - ماهية النظام العماني الحالي فكريا وسياسيا
كما يعلم الجميع بأن الانظمه السياسيه الموجودة في العالم الحالي تختلف من دولة الى اخرى من انظمة جمهوريه ديموقراطية الى ملكيات دستوريه الى ملكيات فرديه اغلبها تعتمد على دساتير وضعية ساهمت الشعوب في وضعها وبعضها عرفية والقليل الآخر دينيه .

فيما يخص نظام الحكم في عمان فهو سلطاني وراثي كما يعلم الجميع حسب الدستور العماني او النظام الاساسي للدولة .
أما بالنسبة لمؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث التشريعيه والتنفيذيه والقضائيه فهي سلطات متفاهمة ان صح التعبير بطريقة تجعل من السلطان يمسك بخيوط التحكم فيها جميعا وهذا مايدل ان النظام العماني السياسي هو نظام ملكي او سلطاني فردي.
النظام العماني..

السلطان في عمان هو الذي يدير كافة امور البلاد ويجمع في يديه كل السلطات التي تقوم عليها الدولة فهو يرأس السلطة التنفيذية كرئيس لمجلس الوزراء والمجلس الاعلى للقضاء وهو المشرع الذي يصدر القوانين .

وفي الجانب الامني والعسكري وهو الذي يعتمد عليه السلطان في ادارته لشئون البلاد فالسلطان هو القائد الاعلى للقوات المسلحة .

وتعود كل امور الامن ( امن الدولة الداخلي والخارجي) في سلطنة عمان الى مكتب السلطان الذي هو عبارة عن وزارة المكتب السلطاني وجهاز الامن الداخلي .

كما يوجد مجلس الشورى وهو مجلس منتخب من الشعب يقتصر دوره حاليا على مناقشة الامور الخدمية والاجتماعية واعطاء الاقتراحات للسلطة التنفيذيه .

ومجلس الدوله الذي يعين السلطان اعضاءه ويقتصر عمله في الجانب الاستشاري .
ويجمع هذه المجالس ( الدوله والشورى) مجلس عمان الذي يرأسه السلطان في اجتماع سنوي .

قد يقول قائل كل هذا معلوم للجميع وهذا صحيح لكننا في سياق هذا القول نسعى للتوضيح من خلال التساؤل التالي :-

هل هذا النظام بتفردة وتداخل سلطاته وبخصوصيته مؤهلا كنظام سياسي صلب وقوي قادر على الاستمرار؟؟؟

قد يجيب آخر بالايجاب والدليل استمراريته بنجاح ولونسبيا حتى الآن !

لذا من الواجب لفهم هذا النظام وادراك ماهيته يجب ان يدرس فكر مؤسس هذا النظام وهو السلطان قابوس حسب رؤيته وتوجهه منذ بزوغ فجر نهضة عمان الحديثه.
أفضل تسمية قرأتها للسلطان قابوس هو عنوان الكتاب للمؤلف الروسي الذي نسيت اسمه !
( مصلح على العرش ) فالمعروف ان الاصلاح يتأتى في الغالب من حراك شعبي ضد عروش ملكية ديكتاتوريه تطالبها الشعوب بحقوقها .

إلا ان السلطان اعتبر نفسه من الشعب وعن الشعب العماني الذي يطالب بالحق في العيش الكريم وعزم على الاصلاح ولكن من على العرش السلطاني ودون التنازل عنه او تغييره كنظام للحكم .

ومن هو الشعب العماني في نسيجة الاجتماعي هو عبارة عن مجتمع تقليدي يتكون في اغلبه من قبائل والقبائل من افضل التكوينات الاجتماعية التي تساعد على بقاء العروش والملكيات مادامت متماسكه ومصالحها العرفية مقضيه.

لذا فالسلطان ادرك منذ البداية ان بقاء القبائل على حالها وارضائها سيضمن له امران في غاية الاهميه اولهما سهولة السيطرة من خلال الشيوخ والثاني عدم التدخل في الشأن السياسي للبلاد لأن مجتمع القبيله مجتمع منكفئ على نفسه تشغله وتقيده واجباته العرفيه والدينيه عن الانشغال بالشئون السياسيه .

كما ان السلطان اعتمد على نشأته وتعليمه الديني في الخطاب السياسي منذ البداية في حربه على الفكر الشيوعي الاشتراكي للثورة في الجنوب مما سهل عليه كسب الحرب بسرعة في ظفار , إلا ان هذا الفكر الديني المعتدل للسلطان ظل سندا قويا له وعاملا مهما في تشكيل الفكر السياسي للنظام.


ومن الركائز الاساسيه التي شكلت الفكر القابوسي هي التعليم العسكري فالسطان من خريجي كلية سانت هيرست العسكرية البريطانية وهو عسكري فذ وقائد صارم معروف بميلة للنظام العسكري وكذلك من العوامل الاخرى التي ساهمت واثرت في تكوين هذا الفكر الخبرات الاجنبية المتثملة في نصائح وخدمات المستشارين والمعاونين الاجانب للسلطان منذ بداية السبعينات حيث ان الضباط الانجليز المعارين للعمل في خدمة السلطان في بداية تكوين الدولة كان لهم الاثر الكبير في احداث فارق معين في اساسيات النظام وهو مايتمثل في السيطرة المركزية او النظام المركزي لضمان وضع كل خيوط التحكم في يد السلطان .

كذلك التجارب السياسية التي مرت بها الدول الاخرى العربية او غيرها من حيث تطبيق الانظمه الديموقراطيه المستوردة من الشواطئ البعيدة والتي اثبتت فشلها وعدم نجاعتها , جعل منها خلفية مهمه لتشكيل الفكر السياسي العماني لدى السلطان قابوس المؤسس .
وبالتأكيد هناك عوامل اخرى كثيرة ساهمت في تكوين الفكر السياسي للسلطان قابوس ونحن هنا انما نحلل ونبحث من خلال المعطيات المتوافرة وفي النهاية انما هو اجتهاد .

بالاضافة الى ماسبق ذكره هناك عوامل مهمة اخرى ساهمت في تشكل الفكر القابوسي وهي عوامل تختص بطبيعة عمان الكبيرة اي من مسندم الى ظفار ,من حيث الجغرافيا والبيئة ومن حيث عادات وتقاليد المجتمعات العمانية المختلفة وكذلك المذاهب الدينية والتيارات الفكرية , والوضع الانقسامي لعمان بين الشمال والجنوب والموجود عند تسلم السلطان زمام الامور في البلاد .

هذا ويبقى العامل المهم الاخير هو تجربة السلطان قابوس من معايشته للواقع الصعب والمرير الذي كانت تعيشه عمان واهل عمان اثناء فترة حكم السلطان سعيد بن تيمور رحمه الله .

  ساهمت كل هذه الاشياء في تشكيل فكر سياسي متفرد ومختلف عن نظرائه الكثيرين من الافكار السياسة السائده , حيث ان من يتأمل في السياسة العمانية في الداخل لا يرى مكانا لسلطة مستقلة يمكنها ان تتخذ قراراتها بدون الرجوع للسلطان . اما بالنسبة للسياسة الخارجية فهناك الثوابت العمانية المعروفة والتي ارساها السلطان قابوس وقد نجحت حتى الآن في تجنيب عمان الكثير من المشاكل مع الاشقاء والاصدقاء


 نأتي الآن الى مرحلة اخرى وهي مرحلة التقييم لهذا الفكر السياسي العماني ومدى النجاح الذي يلاقيه من خلال تطبيقه على الواقع منذ السبعينيات , ولكى تقيم يجب ان نتحرى الموضوعية في الطرح .

اولا- على مستوى العلاقات الخارجية فالسياسه العمانية كما اشرنا سابقا اصبحت معروفة وثابته ,فعدم التدخل في شئون الغير والمحافظة على العلاقة مع كل الدول بغض ان النظر عن سياساتها والابتعاد عن التطبيل والمبالغة في التصريحات , وكذلك الحرص على استباب السلام والامن ..الخ , كل ذلك سياسات ثابته وعمل بمقتضاها في السياسه الخارجيه وحسب رأي الكثير من المتابعين فهي ناجحة جدا واثبتت فعاليتها وقد اضحت عمان تتميز بذلك منذ اتفاقية كامب ديفيد وازمة قطع العلاقات مع مصر حيث احتفظت السلطنة بعلاقاتها مع مصر واعتبرت اقامة مصر لعلاقة مع اسرائيل هو امر يخص مصر ولا يعني احد غير مصر .
هذه السياسه ان كانت نجحت ففي رأيي الشخصي ان من اهم الاشياء التي حققتها هي انها جعلت من التدخل في شئون عمان الداخلية من اي دولة اخرى امر عسير وخطير ولا يمكن التساهل معه , وهذ ما اتاح الفرصة والمجال الكبيرين للفكر السياسي العماني ان ينمو ويقوى في الداخل حتى اصبح واقعا ملموسا خصوصا في الفترة ماقبل الانترنت والفضائيات

- في الداخل العماني
نصل الآن الى المرحلة الاهم وهي السياسة الداخلية ومدى نجاح الفكر القابوسي في الداخل..؟؟
الحقيقة ان تقييم التجربة السياسية ليس بالامر السهل لأن ذلك سيجعلنا نحتكم الى مقاييس معينه وهذه المقاييس تختلف حسب الثقافات والافكار السياسية لأي ناقد سواء كان هذا الناقد مفكرا سياسيا او غيرة الا اننا هنا بحكم ان هذا الطرح لا يتعدى كونه مجرد حديثا سياسيا متواضعا من مواطن عماني بسيط .. فسيكون التقييم بسيطا معتبرين ان رضا المواطن العماني العادي هو المعيار المعتمد هنا .
ان المتابع للموضوع منذ البداية سيجد اننا تحدثنا عن ان السلطان قابوس هو رأس السلطه في عمان وهو الذي يدير كافة شئون البلاد بمساعدة اجهزه ادارية وامنيه مختلفة , والسلطان قابوس قد نذر نفسه ووقته للشأن العماني ولا يشغله عن ذلك اي شئ آخر .
وبالتالي اذا نظرنا على المستوى الامني سنجد ان البلاد تعيش في حالة مستقرة جدا امنيا ولا يعكر صفو البلد وامنها اي مشاكل امنية او سياسية داخلية .
وعلى المستوى الاقتصادي فالبلد تسير بخطى جيدة في نمو اقتصادي معقول وثابت رغم المتغيرات والازمات العالميه .
وكذلك في معظم الخدمات الاخرى وفي مجال البنية التحتيه هناك اهتمام بتأسيس بنى تحتية كافية في كل ارجاء البلاد لخدمة المواطن .
نأتي هنا ان النقاط المهمه التي يمكن ان تكون فيها اخفاقات معينه وينظر اليها المواطن بعدم ارتياح وهي :
-الفساد الاداري والمالي وطريقة فضح ومحاربة هذا الفساد حيث ان المواطن العماني يرى في نفسه من الكفاءة والوعي ان يعلم عن كل صغيرة وكبيرة وان يشارك بفعالية في محاسبة كل من يسعى في نهب مقدرات البلاد وان يتم ذلك في العلن وليس ان يبدا سرا وينتهي سرا بعفو خاص .
-عدم ثقة المواطن في طرق تولى المناصب العليا وذلك لأن المعايير التي من خلالها تتم عملية الترشيح والاختيار غير معروفة .
-المشاركة المحدودة والغير فاعلة لممثلي الشعب في مجلس الشورى وذلك وبسبب الصلاحيات الضيقه لهذا المجلس .

.... الخلاصة ....
 الرؤية الواضحة لدى هي ان السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان ومؤسس عمان الحديثه ومرسي قواعد الفكر السياسي القابوسي هو شخصية سياسية غير اعتيادية ولا يمكن تكرارها فهو بالفعل ( مصلح على العرش ) حيث ارسى القواعد التالية وتميز بها :-

- مبدأ التفاهم بين السلطات وانها في النهاية تمثل عمان الكبيرة ومصلحة الجميع واحدة ولا يوجد هناك مواطنين حكوميين ومواطنين معارضين فالجميع يكملون بعضهم ويعاونون بعضهم .
-السياسة الخارجية المتوازنه مع الجميع وعدم التخل في الشئون الداخلية للغير .
- ( القبيلة الحديثه )  عدم السماح بتكوين احزاب او تجمعات او تكوينات سياسية حيث يظل التكوين الاجتماعي السياسي الوحيد هو المجتمع العماني التقليدي الموجود اصلا وهو القبيلة وبالتالي يكون النهج هو التعامل الايجابي مع التطور الفكري والثقافي لافراد هذه القبائل مع ابقائهم داخلها .

 فالسلطان قابوس يعتبر نفسة من الشعب وعمل لاجل الشعب وسيظل كذلك وبالتالي نرى ان هذه الرؤيه وهذا الفكر يعتمد في مدى نجاحه واستمرارة على السلطان نفسه في كثير من الامور لذا نجد ان السلطان قابوس نقل عمان الى مصاف الدول المتقدمة وذلك لأن السلطان قابوس كما اسلفنا شخصية غير اعتيادية وعظيمه فعلا .

لكن يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ماذا بعد السلطان قابوس هل سيستمر السلطان القادم بالحفاظ على هذا الارث والعمل بمقتضى هذ الفكر .. سيكون ذلك صعبا لأننا سنحتكم في النهاية الى فكر وشخصية وضمير هذا السلطان .. لذا اعتقد ان الحكومة العمانية وعلى رأسها السلطان قابوس لن يغفل عن هذا الامر ولن يترك عمان وشعبها في مصير مجهول على يد وريث عرش قد لا يحمل جزء ولو يسير من الفكر القابوسي ..

تحياتي ..

ملاحظة .. المقاله كتبت في ديسمبر 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق